الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 14:00
بزشكيان في قمة رابطة الدول المستقلة: نحن بحاجة إلى التعددية القطبية

وكالة الحوزة - أكد رئيس الجمهورية أن المنطقة باتت اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تعددية قطبية حقيقية.

وكالة أنباء الحوزة - شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في كلمته أمام قمة قادة رابطة الدول المستقلة (CIS)، على أن المنطقة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الصمود في وجه الحروب، والأزمات، والضغوط الخارجية، والاضطرابات التي تواجه المسارات الاقتصادية وخطوط الاتصال. وأوضح أن النجاح في هذا المسار يتطلب، قبل كل شيء، ربط الطاقات والإمكانات الإقليمية ببعضها البعض، مبيناً أن المصالح المشتركة لا تكمن في التنافس بين الممرات والمسارات، بل في ربطها وتكاملها.

وأضاف بزشكيان: "بالنسبة لآسيا الوسطى، لا تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد شريك فحسب، بل هي ممر طبيعي لربط دول آسيا الوسطى وأوراسيا بالمياه الدولية الحرة. ويمكن للموانئ الجنوبية لإيران المطلة على الخليج الفارسي وبحر عمان، ولا سيما ميناء تشابهار، أن تربط هذه المنطقة بجنوب آسيا، وأفريقيا، ومن ثم بأوروبا".

وتابع رئيس الجمهورية موضحاً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر نفسها جزءاً طبيعياً من الجغرافيا المترابطة للمنطقة، وأن هذا الرابط ليس جغرافياً فحسب، بل يضرب بجذوره في التاريخ، والثقافة، والحضارة، والأواصر الشعبية. وبناءً على ذلك، اقترح بزشكيان تأسيس صيغة "رابطة الدول المستقلة + إيران" (CIS+1) كآلية مرنة وفاعلة للحوار والتعاون، بهدف تطوير العمل المشترك في مجالات النقل العابر، والطاقة، والتجارة، والتعدين، والاستثمار، والتكنولوجيا، والمياه، والبيئة، والسياحة، فضلاً عن الاتصالات العلمية والثقافية.

كما أكد بزشكيان: "إننا اليوم لا نواجه مجرد خيار بين العزلة أو التبعية، بل يجب علينا ربط طاقاتنا ببعضها البعض ليتسنى لكل دولة الاستفادة من ميزات هذه الجغرافيا المشتركة مع الحفاظ على استقلالها وخياراتها الوطنية"، مضيفاً: "نحن ننشد الترابط بدلاً من الانفصام، والتعاون بدلاً من التنافس الاستنزافي، والاعتماد المتبادل بدلاً من التبعية أحادية الجانب، والأمن القائم على الثقة والمصالح المشتركة بدلاً من الأمن القائم على التهديد".

نص خطاب رئيس الجمهورية في قمة قادة رابطة الدول المستقلة:

بسم الله الرحمن الرحيم

فخامة السيد سردار بردي محمدوف، رئيس تركمانستان المحترم، ورئيس القمة؛

أصحاب الفخامة الرؤساء المحترمون؛

معالي الأمين العام لرابطة الدول المستقلة؛

السيدات والسادة؛

في المستهل، أعرب عن خالص شكري وتقديري لحكومة وشعب تركمانستان الصديق والشقيق على دعوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية واستضافة هذه القمة الهامة. إن حضور الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمرة الأولى، وبوصفها أول دولة تُدعى كضيف شرف في قمة قادة رابطة الدول المستقلة، يمثل فرصة قيمة لتعزيز الأواصر القائمة وفتح فصل جديد من التعاون مع دول هذه المجموعة. كما أن تزامن هذه القمة مع قمة الدول المطلة على بحر قزوين والمعنية بالبيئة، يتيح أرضية مناسبة للاهتمام المتزامن بالروابط الجغرافية، والمصالح والمخاوف المشتركة، وطاقات التعاون الإيراني مع الدول الساحلية لبحر قزوين وآسيا الوسطى.

السيدات والسادة،

اسمحوا لي أن أستهل كلمتي بحقيقة لا يمكن التغافل عنها عند مناقشة مستقبل المنطقة.

لقد واجه عالمنا ومنطقتنا في السنوات الأخيرة أزمات مترابطة ومتشابكة، لم تعد آثارها تنحصر داخل حدود دولة واحدة. فالإرهاصات المحيطة بالحرب الروسية الأوكرانية، بأبعادها العابرة للإقليم، قد ألقت بظلالها على الأمن، والتجارة، والنقل، ولا سيما على إمدادات وأسواق الطاقة. وقد أثبت هذا الحدث والأزمات المماثلة أن أي خلل في جزء من المنطقة يمكن أن يؤدي سريعاً إلى ضغوط اقتصادية، واجتماعية، وحتى سياسية في أجزاء أخرى.

كما تعرضت إيران خلال العام الماضي لضربات عسكرية من قِبل أمريكا وإسرائيل؛ وهذه الاعتداءات السافرة وغير القانونية لم تلحق الضرر بشعبنا وبنيتنا التحتية المدنية فحسب، بل أثرت أيضاً على الكثيرين في المنطقة والعالم. لقد كشفت هذه التطورات، أكثر من أي وقت مضى، عن حقيقة واضحة: وهي أن الأمن والاستقرار الإقليمي مفهوم لا يتجزأ. فلا يمكن السعي لتحقيق الأمن والتنمية لجزء من المنطقة، وبث عدم الأمن، والضغط الاقتصادي، وعدم الاستقرار في جزء آخر منها.

لقد أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دوماً على الحوار والحلول الدبلوماسية لإقرار سلام واستقرار مستدامين؛ غير أن الحوار لا يكتسب معناه وفرص نجاحه إلا إذا نهض على أساس الاحترام المتبادل، والالتزامات المتبادلة، ونبذ الضغوط والتهديدات. فالمفاوضات في ظل القوة والغطرسة ليست مفاوضات، بل هي إملاء وإكراه. وفي الوقت ذاته، أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن استخدام التجارة، والخدمات المصرفية، والتكنولوجيا، والطاقة، والنظام المالي الدولي كأدوات ضد الدول لا يعد مجرد قضية ثنائية، بل إنه يؤثر على الأمن الاقتصادي والتنمية في المنطقة والعالم بأسره. إن الضغوط والعقوبات المفروضة على إيران لا تقتصر على تحجيم الطاقات الاقتصادية لإيران فحسب، بل إنها تلحق الضرر بالتجارة، والترابط، والطاقة، والنظام الإقليمي برُمّته.

أصحاب الفخامة الرؤساء المحترمون؛

إن منطقتنا باتت اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى الصمود في وجه الحروب، والأزمات، والضغوط الخارجية، والاضطرابات في المسارات الاقتصادية وخطوط الاتصال. والنجاح في هذا المسار يتطلب، قبل كل شيء، ربط الطاقات الإقليمية ببعضها البعض؛ فمصالحنا المشتركة لا تكمن في التنافس بين المسارات والممرات بل في ترابطها وتكاملها.

بالنسبة لآسيا الوسطى، لا تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد شريك، بل هي ممر طبيعي يربط آسيا الوسطى وأوراسيا بالمياه الدولية الحرة. وإن الموانئ الجنوبية لإيران في الخليج الفارسي وبحر عمان، ولا سيما ميناء تشابهار، قادرة على ربط هذه المنطقة بجنوب آسيا، وأفريقيا، ومن ثم بأوروبا.

وفي هذا الإطار، فإن المقترح الذي تقدمت به تركمانستان في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإنشاء ممر للنقل والشحن بين آسيا الوسطى والجنوبية وأوروبا عبر مسار بحر قزوين، يمكن تحويله إلى واقع عملي عبر الاستفادة من الإمكانات والطاقات الإيرانية.

إن ممرات (شمال - جنوب) و(شرق - غرب) هي أجزاء من شبكة إقليمية موحدة وليست منافسة لبعضها البعض! ومن ثم، فإن أي مسار جديد يضيف إلى طاقة المسارات الأخرى ويساهم في تحقيق المزيد من التكامل والمتجانسة في المنطقة.

وينبغي تبني الرؤية ذاتها في قطاع الطاقة أيضاً؛ إذ يمكن لمنطقتنا، بدلاً من التنافس لإقصاء بعضنا البعض من سوق الطاقة، أن تتحول إلى شبكة لإنتاج الطاقة، ونقلها، وتبادلها؛ شبكة تربط النفط، والغاز، والكهرباء، والطاقات المتجددة بالمصالح الاقتصادية المشتركة والاستقرار الإقليمي.

ولتعزيز التجارة أيضاً، من الضروري إيلاء الاهتمام للآليات الإقليمية العملية، بما في ذلك الآليات المالية والمقاصة (التبادل السلعي)، لتسهيل المبادلات بين دول المنطقة؛ وهي آليات كفيلة برفع مستوى استمرارية التعاون الاقتصادي في مواجهة الاضطرابات والقيود الخارجية.

السيدات والسادة،

تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها جزءاً طبيعياً من الجغرافيا المترابطة للمنطقة. وهذا الرابط ليس جغرافياً فحسب، بل يضرب بجذوره في التاريخ، والثقافة، والحضارة، والأواصر الشعبية. وبناءً على هذا، تقترح الجمهورية الإسلامية الإيرانية تأسيس صيغة "رابطة الدول المستقلة + إيران" أو (CIS+1) كآلية مرنة وفاعلة للحوار والتعاون، لنتمكن من تطوير التعاون المشترك في مجالات الترانزيت، والطاقة، والتجارة، والتعدين، والاستثمار، والتكنولوجيا، والمياه، والبيئة، والسياحة، والاتصالات العلمية والثقافية، وتقديم حلول إقليمية مشتركة للتحديات الراهنة مثل: التغير المناخي، وشح الموارد المائية، وقضايا بيئة بحر قزوين ومنطقة بحر آرال، والجرائم المنظمة، وتهريب المخدرات، وغيرها من الملفات.

إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تعددية قطبية حقيقية في المنطقة. وينبغي لدول هذه المنطقة الهامة والاستراتيجية أن تكون من اللاعبين الرئيسيين في صياغة عالم متعدد الأقطاب. ومن هذا المنطلق، لا تعني الدبلوماسية الإقليمية بالنسبة لنا مجرد عقد لقاءات واجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى أداة لإدارة الأزمات، والحفاظ على الاتصالات، والحيلولة دون اتساع رقعة الصراعات، وتفعيل التعاون العملي. وهذا هو النهج عينه الذي ننشده في إطار سياسة حسن الجوار للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

السيدات والسادة،

إننا اليوم لا نواجه مجرد خيار بين العزلة أو التبعية، بل يجب علينا ربط طاقاتنا ببعضها البعض ليتسنى لكل دولة الاستفادة من ميزات هذه الجغرافيا المشتركة مع الحفاظ على استقلالها وخياراتها الوطنية.

نحن ننشد الترابط بدلاً من الانفصام، والتعاون بدلاً من التنافس الاستنزافي، والاعتماد المتبادل بدلاً من التبعية أحادية الجانب، والأمن القائم على الثقة والمصالح المشتركة بدلاً من الأمن القائم على التهديد.

وفي الختام، أجدد شكري لحكومة وشعب تركمانستان على دعوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية واستضافة هذه القمة، وعلى مبادرتها القيمة في خلق فرصة لتوسيع التعاون بين إيران والدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة. وآمل أن تشكل هذه القمة خطوة عملية نحو صياغة منطقة لا تكون فيها آسيا الوسطى، وجنوب القوقاز، وإيران مجرد فضاءات منفصلة عن بعضها، بل أجزاء من شبكة موحدة للتعاون، والأمن، والتنمية. إن الحتمية الجغرافية قد ربطتنا ببعضنا البعض، لكن إرادتنا السياسية هي الكفيلة بتحويل هذا الرابط إلى رأس مال مشترك من أجل السلام، والأمن، والتنمية.

أشكركم على حسن أصغائكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المصدر: وكالة تسنيم

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha